«المرسي أبو العباس»، ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسكندرية، وقسّم في بعض الأحيان للدلالة على صدق الحديث، وعلى الرغم من أن مدينة الإسكندرية تزخر بالعديد من الأضرحة والمساجد التي تشهد على قصص الأولياء والتابعين، حيث تعد من أكثر المحافظات التي عاش بها علماء الفقه وقصدها رجال الدين من كل حدب وصوب، إلا أن أبو العباس له مكانة خاصة في قلوب أهل الإسكندرية.

في ميدان المساجد بمنطقة بحري، اجتمعت العديد من قصص الأولياء، كما اجتمعت المقامات الخاصة بهم في ذلك المكان وضم الميدان الذي بدأ تنفيذه في عهد الملك فؤاد، أشهر المساجد بالإسكندرية ومقصد المسلمين من جميع أنحاء العالم، فمسجد أبو العباس المرسي أحد المساجد التي لها تاريخ وقيمة كبري بداية من سيرة أبو العباس أحد الأولياء الصالحين، حتى بناء مسجده الذي يعد صرحًا معماريًا مميزًا.  

«الدستور» تلقي الضوء على ميدان المساجد خاصة خلال شهر رمضان المبارك الذي يلملم ساعاته ويغادرنا هذه الأيام،
فالميدان يضم قصصًا للأولياء المساجد والأضرحة من خلال عدة حلقات تبدأ بأشهرها في عروس البحر المتوسط وفي القلب منها مسجد سيدي «أبو العباس». 

•سيرة الإمام أبو العباس المرسي

يقول الشيخ جابر قاسم نائب عام الطريقة البيومية الأحمدية، المسؤول عن الأضرحة والحضرات الصوفية بالإسكندرية، إن سيدي أبو العباس هو أحد الأقطاب والأولية الذين اعترفت لهم الأمة الإسلامية بالفتوة وعلو الهمة، وصدق المحبة لله ورسوله، واسمه الإمام العارف بالله شهاب الذين أبو العباس أحمد بن عمر بن الخزرجي الانصاري المرسي البلنسي، ولد في مُرسية من مقاطعة بلنسية، إحدى مدن الاندلس، عام 616ه‍ – 1219 ميلاديًا، ونسب إليه مسمى المرسي، وحفظ القرآن صغيرًا، وعمل بالتجارة وقاد تجارة والده.

أضاف قاسم، لـ«الدستور» أنه في 640ه‍ اعتزم والده الحج واصطحب والديه وأمهما وركبا طريق البحر، فهبت عليهم ريح، فغرقت المركب على مقربة من شاطئ بونة إلا أن العناية الإلهية أدركت أبا العباس وشقيقه، فقصدا تونس، فعمل شقيقه بالتجارة، واتخد أبا العباس مكتبًا في زاوية صغيرة يعلم الأولاد القرآن، وكان الشيخ أبا الحسن الشاذلي يقيم في زاوية قريبة، فاستخار ابو العباس الله وبعد أن أذن له ذهب إلى الشاذلي، فتعلق به وأصبح يلازمه، ووفد معه إلى مصر عام 642ه‍ – 1244ميلاديا، ونزلا بالإسكندرية.

وتابع قاسم أن أبو الحسن اختار مسجد العطارين لإلقاء دروسه، وتوفي الشيخ أبو الحسن الشاذلي 656ه‍، 1258ميلاديًا وهو في طريق للحج ودفن في «حميثرا»، واستكمل أبو العباس إلقاء الدروس وتلقين مبادئ السلوك وهداية الناس إلي الله، وتتلمذ على يديه الكثير من الأولياء كالبوصيري، وياقوت العرش، والسكندري، ومكين الدين الأسمر  وغيرهم، ومات ودفن في الإسكندرية.

• مقصد المحبين

يقول الشيخ محمد يوسف، إمام وخطيب مسجد أبو العباس المرسي بالإسكندرية إن الإمام أبو العباس له تاريخ كبير، فهو قيمة وقامة معروفة ليس في الإسكندرية فقط، لكن في العالم بأسره وعاش في الإسكندرية اكثر مما عاش في بلاده، وهو ولي صالح من أولياء الله الصالحين، وكان عالمًا يعلم الفقه والحديث والقرآن، وحفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره،  ووالده كان من العلماء الاجلاء رغم أنه كان تاجرًا معروفًا في بلاده مُرسية، التي ينسب إليه المرسي ابو العباس.

أضاف أن المسجد سمّى على اسمه، ودفن فيه، لافتًا إلى أن هذا المكان كان يسمي مقبرة باب البحر، وكان يدفن بها العلماء، ولم يكن المسجد موجود حين وفاته، بل بني عليه مسجدًا صغيرًا وتوالت عليه الأحداث، حتى تم بناء هذا الصرح العظيم وقد بناه مهندس إيطالي، الذي اعتنق الإسلام بعد افتتاحه، وشيد بعدها العديد من المساجد في الإسكندرية.

أشار إلى أن أهل الإسكندرية يعرفون هذا المكان معرفة جيدة، ويشتاقون إليه، ويحبونه ويقصدون الصلاة فيه، 
حيث يعد مسجد ابو العباس منارة في الإسكندرية وحضارة يزوره الكثير من الإسكندرية وخارجها، ويتواجد على الخريطة السياحية، ويزوره العديد من الجنسيات.

أوضح أن عودة صلاة الترويح في مسجد ابو العباس خلال شهر رمضان، كان لها فرحة خاصة، مؤكدًا على المكان يرتبط به الناس ارتباطًا قويًا، لذلك على الجميع الإلتزام بالإجراءات الاحترازية من الرجال والسيدات، ليظل مسجد ابو العباس مفتوحًا لأحبائه خلال تلك الأيام المباركة.

• فكرة بناء المسجد

وقال الدكتور إسلام عاصم، أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر والإرشاد السياحي، نقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية، إن شهرة الإمام أبو العباس وأهميته، جعلت الحجاج من الأندلس والمغرب العربي وتونس يمرون عليه في الإسكندرية، أثناء حياته وبعد وفاته أيضًا، فاصبح قبره مزارا وبدأ يبني عليه مقام، ليتم بناء مسجد فوق المقام في القرن السابع عشر، وتتم توسعة للمسجد الذي اتخذ شكل مساجد الدلتا حيث المآذنة على شكل شمعة، ومدخل ذات العقد الثلاثي، ولكن ضربته الصواعق في بعض الأوقات وتضرر المسجد واهمل، حتي جاءت فكرة بناء مسجد ابو العباس بشكله الحالي، والتي بدأت في عام  1927، بعد أن اتخذ الملك فؤاد قرارًا بإنشاء ميدان المساجد، بعد تحديث مدينة الإسكندرية وتوسعة الشوارع، وتم وضع تخطيط للميدان، و نزع الملكيات، ونقل مقابر باب البحر التي كانت تتواجد حينها في موقع ميدان المساجد الي مقابر المنارة.

أضاف لـ«الدستور» أن إنشاء مسجد ابو العباس واجه الكثير من العقبات أولها توقف العمل بسبب الأزمة المالية العالمية عام 1929، 1930، ولم تتوافر أموال لإستكمال البناء، لتخصص وزارة الأوقاف 55 ألف جنيه للتشييد، وكان مبلغ كبير حينها يساوي نصف تكلفة البناء، لكن يتوقف البناء مرة أخرى لوفاة الملك فؤاد في 1936، ليأتي الملك «فاروق» محاولًا إحياء المشروع، لكن يتوقف البناء مرة أخرى بعد قيام الحرب العالمية الثانية، فيتوقف أعمال بناء المسجد.

•مخبأ اثناء الحرب العالمية الثانية

وقال عاصم إن المسجد يتخذ شكل المساجد المعلقة، حيث يرتفع عن الأرض ويتم الصعود إلى ببضع الدرجات، بسبب تواجد مقابر ومقامات الأولياء أسفله، أو ما يسمي المنامات، حيث يدفن أسفل المسجد.11 من الأولياء مع المرسي أبو العباس أهمهم ابنائه، ولدين وابنته، والشيخ الفكهاني، وأبو شامة وغيرهم، لافتًا أنه قد استخدمت تلك المساحة السفلية المتواجدة أسفل المسجد كمخبأ أثناء الحرب بين عام 1940إلى 1942، حيث كان مسجد ابو العباس المرسي هو حامي الإسكندرية وكانت منطقة بحري كاملة تحتمي به.

•بناه إيطالي واعتنق الإسلام

يستكمل الدكتور إسلام عاصم أن أول من بدأ بناء مسجد ابو العباس مصمم إيطالي يدعى «فازاي»، لكنه يترك العمل به، ليستكمله المهندس الإيطالي ماريو روسي، حيث كان بداية استخدام الخرسانة المسلحة في بناء مسجد، وجلب «روسي» 16عمود جرانيت من إيطاليا بمواصفات خاصة لكي تتحمل ضغط سقف المسجد، حيث كان يخشي من قبة المسجد، فقام بإلغائها ليكون مكانها ما يسمي بـ«الشخشيخة»، وتم وضع أعمدة الجرانيت 8 في المنتصف، و8 لجوانب المسجد، وتم تصميم 4 قباب من الجوانب، وبني المسجد على الطراز المثمن، وهو أول مسجد يبني على هذا الطراز في مصر، تأثرًا بمسجد قبة الصخرة.

ولفت «عاصم» إلى أنه تم تسجيل فيلم سينمائي عن مسجد أبو العباس وكان من أوائل أفلام السينما التي تمت في مصر، وهو فيلم عن بناء المسجد ونقل أعمدة الجرانيت من إيطاليا إلى الإسكندرية، مشيرًا إلى أن مسجد أبو العباس أكبر مسجد بالإسكندرية بني على مساحة 3000 متر مربع، واستغرق بنائه 18عامًا، حتى جاء قرار افتتاحه عام 1945، مشيرًا إلى أن بعد افتتاح المسجد يقال إن المعماري ماريو روسي أعتنق الإسلام.

•عدم انتهاء البناء وقصة مصلى النساء

يذكر «عاصم» أن الملك فاروق عند زيارته للمسجد أثناء تشيده سأل عن مصلى النساء، وأصدر توجيهات بتخصيص مكان في المسجد لمصلى النساء، ليكون أحد أوائل المساجد التي يتم في تخطيطها الأولي مكان يكون مصلى للسيدات، وأحد المساجد القليلة التي ينشأ فيها مصلى للسيدات، وتم إنشاء جزء خاص اعلى الميضئة لنكون خاصة بمصلى النساء.

أشار إلى أن مسجد أبو العباس تم افتتاحه عام 1945، رغم عدم إنهاء جميع اعمال البناء فيه، والتي لم تكتمل في عهد الملك فاروق، لإرتفاع تكلفة إنشاء المسجد والتي وصلت إلى 130 ألف جنيه، في اكتر من 18عامًا، لافتًا أنه حتى الأن لم ينتهي أعمال بناء المسجد، الذي افتتح بدون الزخارف الكتابية بالخارج وبعض الزخارف بالداخل، وهناك وثائق موجودة بما كان يجب أن يكتب على الافريز الخارجية لمسجد ابو العباس.

وأكد استاذ التاريخ أن إلقاء الضوء على تاريخ مسجد ابو العباس المرسي، يمكن أن يكون دعوة لإستكمال إنشاء زخارف المسجد بالخارج والداخل، واستغلال تاريخ هذا المسجد العريق سياحيًا بتخطيط جيد، وتطوير ميدان المساجد الذي يضم أحد النماذج المعمارية الإسلامية المبهرة.

مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
مسجد ابو العباس المرسي
ضريح أبو العباس المرسي
ضريح أبو العباس المرسي
ضريح أبو العباس المرسي
ضريح أبو العباس المرسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *