يتأمل أ.د. أحمد الجندى تحول الإسلام المبكر من الثورى البدوى إلى الإمبراطورى المستأنس!.

■ ■ ■

لم تحفظ لنا مصادر التاريخ الإسلامى صورة صحابة النبى الكريم وهم على طليعة جيوش الفاتحين نساكًا أو زهادًا أو دراويش منشغلين بالطقوس والأوراد. بل حفظت سيرتهم كرجال أشداء تشربوا من نبيهم الكريم (عقيدة لا إله إلا الله)، فتيقنوا أن لا معبود إلا الله، ولا نافع ولا ضار إلا الله، فكان الرجل يسمع آيات القرآن فيؤمن بها، ويخرج إلى القتال من أجلها فيقتل أو يُقتل.

فلا عجب أنهم ملكوا الدنيا وأنشأوا أكبر امبراطورية عرفها العصر الوسيط. وورث الإمبراطورية ملوك الدولة الأموية الذين تأثروا بمُلك بيزنطة ومراسيمها الملكية الكنسية، فحرصوا على استقرار ملكهم على منواله. لكن أنى لهم ذلك ودوى صوت الصحابى يدق أذانهم (جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها)! وخطبة الصديق «أيها الناس أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، وإلا فلا طاعة لى عليكم»!.

لقد أوصلهم هذا الإسلام الثورى البدوى المبكر إلى حكم الإمبراطورية، فأمسوا اليوم فى حاجة لإيجاد إسلام بديل. إسلام حضرى إمبراطورى مستأنس يحفظ لهم ملكهم، ويحرم الخروج على الحاكم، ويشغل الحياة اليومية للمسلمين بالأذكار والطقوس والأوراد.

■ ■ ■

وتذكر لنا المصادر كيف استولى «القصاص» فى القرن الأول الهجرى على آذان العامة يروون عليهم غرائب الأحاديث. ثم أضاف الشافعى الحديث إلى «الوحى» فأصبح الوحى وحيين: القرآن والسنة. وأصبحت للحديث قداسة تضاهى قداسة القرآن. وأخرجت لنا الآلة الفقهية مئات من الأذكار والأوراد والفضائل والطقوس التى تشغل حياة المسلمين، وكلها أحاديث أحاد. ولم يسأل أحد (لو كانت حياة المسلمين الأوائل على هذا المنوال فلِمَ تمخضت عن أحاديث آحاد؟ ألا كان يجب أن تصل إلينا بالتواتر؟).

ودخل المتكلمون على الخط، فظهرت «الجبرية» التى تنفى الفعل عن المخلوق وتنسبه للخالق، و«القدرية» التى تنسب الفعل للمخلوق وتنفيه عن الخالق. فصارت الأولى إلى «الأشعرية» وصارت الثانية إلى «المعتزلة»، فانتصرت الخلافة للأولى، إذ على مذهبها كل شر «مقدور». فالاستيلاء على الملك وتوريثه مقدور، وذبح آل النبى مقدور. وتحولت الأمة الفاعلة البدوية إلى أمة حضرية مفعول بها.

ثم اشتغل الفقهاء على شروط الإمامة، فغضوا الطرف عن «الرضا بالبيعة»، وشرعنوا الملك العضوض.. ثم غضوا الطرف عن «الاختيار بالشورى» وشرعنوا ولاية العهد بالتوريث.. ثم أجازوا شرعية «الأمير المستولى» وحرموا الخروج على «الحاكم المتغلب» بدعوى الخوف من الفتنة، فتشكل حلف «السلطان والفقيه».

■ ■ ■

وهكذا ذهب الإسلام الثورى البدوى المبكر «إسلام الفتوحات والمعانى الكبرى لـ(لا إله إلا الله) إلى إسلام إمبراطورى طقسى مستأنس ينشغل الناس فيه بطقوس حياتهم اليومية، ويؤدون واجب الدعاء والطاعة إلى الإمام (ولو جلد ظهرك وأخذ مالك). ذهب إسلام الفاعلين فى الدنيا إلى إسلام المفعول بهم».


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *