كان ذلك من أول راتب تقاضيته من عملى الجديد، الذى وزعتنى إليه القوى العاملة عام 1971.. سبعة عشر جنيهًا وشوية، وفى طريق عودتى راجلًا «كعَّابى» مشيًا من شارع بورسعيد- حيث مقر الإدارة العامة للمعاهد الأزهرية- مرورًا بدار الكتب بباب الخلق، ثم كلوت بك، وتخريمات حتى ناصية عدلى مع سليمان باشا «طلعت حرب»، حيث مقهى إكسلسيور؛ لأعزم نفسى على الكوباية المشبرة، ذات الرغوة، ثم تمشية لفرع دار المعارف، وبمجرد المرور من الباب الزجاجى كدت أتعثر فى أكداس من الكتب التى تتم تصفيتها وعليها ختم مستطيل داخله كلمة «تصفية».

وكأنها مغارة على بابا الشهيرة.. «دهب.. ياقوت.. مرجان»، وصرت أغرف وأكدس على ذراعى، وعند الحساب على حوالى عشرين كتابًا دفعت أقل من خمسة جنيهات، لأن الكتاب المكتوب على غلافه الخلفى ثمانون قرشًا فى «ج.ع.م» أى الجمهورية العربية المتحدة، صار فى التصفية بخمسة عشر قرشًا.. وكان معظم العشرين كتابًا من سلسلة كانت تصدرها دار المعارف باسم: «أشهر الكتب الجديدة فى العالم»، ومنها الكتاب الذى أضعه أمامى الآن «النيل الأزرق» تأليف «آلان مورهيد» وترجمة «الدكتور نظمى لوقا» إصدار عام 1966 عن دار المعارف. والعجيب أن الكتاب ظل فى مكتبتى عبر هذه السنين الطويلة، لم يقبض عليه ضمن ما قبض عليه من كتبى عند تفتيش المنزل عام 1977، ولم يستعره أحد، ويطبق عليه المثل القائل: «من يعير كتابًا فهو حمار، والأحمر منه من يرده»، ولم يترك ضمن ما ترك خلال الترحيلات من دار إلى دار بحكم تعدد الارتباطات الأسرية!.

وأظن أن قليلين من بين المثقفين خارج إطار المهتمين أكاديميًا بالدراسات الإفريقية هم الذين يعرفون أن آلان مورهيد ألَّف كتابين يكونان دراسة واحدة متكاملة فى تاريخ نهر النيل فى القرن التاسع عشر، الكتاب الأول هو «النيل الأزرق» الذى يعالج الأحداث منذ سنة 1798، والكتاب الثانى هو «النيل الأبيض» الذى يعالج الأحداث فيما بين سنتى 1856 و1900.. وهى الأحداث التى تمت على مجرى النيل الأزرق فى تدفقه من إثيوبيا عبر السودان ومصر إلى البحر!.

ويحتوى الكتاب أربعة أبواب، الأول عنوانه «الاستطلاع»، وهو كما يتضح من عنوانه رَصدٌ جغرافى للنهر من منبعه، والثانى عنوانه «الفرنسيون فى مصر»، وفيه رصد تاريخى لحملة بونابرت على مصر وما يتصل بالنيل فيها، أما الفصل الثالث فعن «الأتراك فى السودان»، والفصل الرابع والأخير عن «الإنجليز فى إثيوبيا»، وهو فى نظرى «مربط الفرس» فى الكتاب كله، لأن فيه تفاصيل أظنها دقيقة عن التركيب الديموغرافى للجيش وخريطة الانتماءات العرقية والدينية بين وثنية ومسيحية وإسلامية، وفيه رصد اجتماعى وسيكولوجى للسكان هناك من خلال معايشة حقيقية للمؤلف مع سكان المنطقة.

وهنا أستأذن فى أن أقتبس من الصفحتين الأخيرتين للكتاب بعض الفقرات.. ففى صفحة 370 من الطبعة التى أمامى 1966 أقرأ: «… وأما عن أهالى إثيوبيا فمن الصعب أن يعرف فيهم المرء سلالة رجال القبائل على عهد ثيودور- إمبراطور الحبشة قبل هيلاسيلاس بمرحلة طويلة- فهم قوم نحاف الأجسام، عصبيون، فيهم سرعة اندفاع مع وقار فى آن واحد، مما يجعل من طباعهم مزيجًا غريبًا، فالمرء يشعر هنا بالحرارة الانفعالية الإفريقية، واليد الإثيوبية حين تصافحك فى تريث ونعومة كأنها لا تريد أن تطلق يدك، ويلاحظ المرء حرارة الاستقبال بين الإثيوبيين أنفسهم وكيف يقبل الرجال بعضهم بعضًا بسرعة على كلتا الوجنتين، إنهم يتمايلون ويحنون الرأس ويكررون ذلك خمس مرات أو ستًا أو أكثر».. ثم يصف آلان مورهيد مشاهد الإثيوبيين فى المطار، صفحة 371، فبعد أن يتحدث عن ملابسهم مثل سراويل الركوب الضيقة والعباءات ثم مكبرات الصوت التى تذيع الإعلانات والتعليمات بالأمهرية يصل إلى داخل الطائرة، حيث تزداد الأمور غرابة بسبب إحساس معين هستيرى يشيع فى الجو، حتى يكاد ذلك التوتر العصبى أن يكون ملموسًا ويحس المرء فى دخيلته أن هذه المودة كلها يمكن فى أى لحظة أن تنقلب إلى بغض وعنف، وربما يفسر هذا الوصف القديم مسلكيات المسلك الإثيوبى ونموذجه آبى أحمد!.

إن هذا الكتاب شديد الأهمية لمن يريد أن يعرف تفاصيل عن محاولات التحكم فى النيل الأزرق، لأن الطليان مثلًا فكروا أن يقيموا سدًا عند نقطة تفرع النهر من بحيرة تانا، لتفيض مياهها على الهضبة ولا تتدفق للنيل الأزرق، وأيضًا لمن يريد أن يعرف الدور البريطانى والدور الأمريكى هناك.

ألف رحمة على المؤلف والمترجم وعلى حقبة كان الكتاب فيها متاحًا بقروش يسيرة وأحيانا بملاليم، ولمن لا يعرف ما هو المليم فهو جزء على ألف من الجنيه، وكان مستديرًا أحمر اللون على العهد الملكى، وكان الاثنان منه عملة تسمى «نكلة»، والاثنان ونصف مليم عملة اسمها «نكلة ونص» أو «خمسة أبيض»، والخمسة منه اسمها «تعريفة» ليأتى القرش صاغ «اثنين تعريفة»!.

[email protected]


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *