لماذا ألقى بايدن خطابا بعد مائة يوم من توليه؟ وما هى حكاية المائة يوم تلك؟ الإجابة عندى أنه تقليد بدأه فى الثلاثينيات فرانكلين روزفلت، وارتبط بعدها بواحدة من نظريات العلوم السياسية.

فقد وصل روزفلت للحكم فى خضم الكساد الكبير الذى شهدته ثلاثينيات القرن العشرين، فشرع، فور توليه الحكم، فى دفع الكونجرس، الذى تمتع فيه حزبه بأغلبية كبيرة، لإصدار حزمة من التشريعات هدفها إنقاذ الأمريكيين واقتصادهم من الأوضاع المتردية وذلك عبر إنشاء مجموعة من البرامج الاجتماعية الحكومية لخلق الوظائف وإعانة الفئات الأضعف فى المجتمع.

وقد نجح روزفلت فعلا فى إصدار تلك التشريعات، التى ساعدت الملايين من الأمريكيين وضخت الحياة فى شرايين الاقتصاد. وكان من أهم تلك البرامج على الإطلاق برنامج الضمان الاجتماعى الذى يعتمد عليه الأمريكيون حتى اليوم. وبسبب ذلك الإنجاز الكبير تعمد روزفلت أن يلقى خطابا أمام الكونجرس ليلفت انتباه الأمريكيين إلى تحقيقه لذلك الإنجاز الفارق فى ثلاثة أشهر فقط.

وحين أخضع علماء السياسة المتخصصون فى الشأن الأمريكى رئاسة روزفلت للدراسة، راحوا يطرحون الأسئلة حول العوامل التى ساعدت روزفلت على تحقيق كل ذلك فى فترة وجيزة. ووضعوا أداءه فى سياقه التاريخى، حيث جاء للحكم بعد انحسار كبير فى شعبية سلفه هربرت هوفر، الذى فشل فى مواجهة الكساد فطرده الأمريكيون من الحكم، ومنحوا روزفلت، ولو مبدئيا على الأقل، ثقتهم فى قدرته على إنقاذ الموقف. ولم يفت علماء السياسة طبعا مغزى إصرار روزفلت على إلقاء خطابه فى ذلك التوقيت. ومن هنا، كانت النظرية التى صكت مفاهيم جديدة، أشهرها تعبير «شهر العسل» الرئاسى. وتقول النظرية إن لعامل الوقت أهمية قصوى فى التأثير على قدرة الرئيس على الإنجاز.

لذلك يتحتم عليه أن يشرع فى إعداد أجندته وأولوياته، بينما يخوض الانتخابات، لا بعد فوزه، لأن عليه أن «يلمس الأرض وهو يجرى»، مثل الطائرة حين تلمس أرض المطار. فبمجرد أن «يلمس الأرض» يوم توليه، لابد أن يجرى بقوة الدفع لتحقيق أهم إنجازاته فى الشهور الأولى قبل أن تتلاشى قوة الدفع تلك. فالشهور الأولى هى «شهر العسل» الرئاسى. أما «قوة الدفع» فتنتج عن أن الرئيس فاز لتوه فى الانتخابات، وتكون شعبيته فى أعلى معدلاتها. فالأمريكيون على استعداد لمنحه الثقة مبدئيا وشعبيته هى الرادع الحقيقى ضد انتقادات الإعلام وتحدى أعضاء الكونجرس.

لكن مع مرور الوقت يرتكب أخطاء لا محالة فتزداد الانتقادات وتنخفض الشعبية، أى ينتهى «شهر العسل» وتنخفض معها قدرته على الإنجاز انخفاضا مطردا إلى أن تصل لما يشبه الجمود عشية الانتخابات التشريعية بعد عامين من توليه.

وقد راح التقليد الذى ابتدعه روزفلت ونظرية العلوم السياسية تلك يغذيان بعضهما البعض حتى باتت عين كل رئيس جديد على «المائة يوم»، وصار الإعلام نفسه يعيد إنتاج الفكرة ذاتها ويسلط الأضواء عليها.

ورغم أن تلك النظرية لها عيوبها واستثناءاتها، فإن بعض متغيراتها موجودة فى حالة بايدن، بينما تجسد إدارته بعض نقاط ضعفها. فقد ثبت أن بعض الرؤساء الأمريكيين لم يتمتعوا بشعبية كبيرة عند توليتهم. فشعبية ترامب مثلا فيما يسمى «شهر العسل» لم تتخط 39%. لكن شعبية بايدن اليوم تصل إلى 59% وهى نسبة كبيرة بالمعايير الأمريكية. لكن خطاب بايدن نفسه يعكس نقاط ضعف النظرية. فأكثر بنود أجندته طموحا لم تتحقق فى المائة يوم، فتضمن خطاب المائة يوم قائمة طويلة مما يسعى لتحقيقه لا ما حققه بالفعل.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *