(1)

السوبر ليج: كرة قدم النخبة

أعلنت، قبل أسبوعين، مجموعة من الأندية الأوروبية عن تنظيم بطولة كروية مستقلة تحت مسمى «السوبر ليج»؛ أو الدورى الأوروبى السوبر. وذلك بمعزل عن الاتحاد الأوروبى لكرة القدم الذى ينظم شؤون اللعبة فى القارة الأوروبية. ويتكون هذا الدورى من اثنى عشر ناديا كما يلى: أولا: من إسبانيا: ريال مدريد، وبرشلونة، وأتلتيكو مدريد، وثانيا: من إيطاليا: إنتر ميلان، ويوفنتوس، وميلان، وثالثا من إنجلترا: مانشستر سيتى، وليفربول، وتشيلسى، وتوتنهام، ومانشستر يونايتد، وأرسنال. وتتراوح القيمة المالية لهذه الأندية ما بين مليار دولار وخمسة مليارات دولار.

وتحصد هذه الأندية فى المتوسط ما يقرب من 750 مليون دولار فى العام. ولأسباب عدة منها: التوسع فى بناء المنشآت الرياضية مثل بناء استاد توتنهام الجديد فى قلب لندن، والتوسع فى الشراكات الاستثمارية الاقتصادية المتنوعة، والضرائب المرتفعة، والدخول فى صفقات اقتصادية يراها الاتحاد الأوروبى «مخالفة لقواعد اللعب المالى النظيف» خاصة فيما يتعلق بشراء اللاعبين، إضافة لخسائر «الكوفيد ــ 19» على مدى موسمين وتزايد الديون؛ وجدت الشركات القابضة التى تدير هذه الأندية أنه يمكن مضاعفة إيراداتها وتعويض خسائرها من خلال تأسيس «السوبر ليج».. وهنا تحديدا كان مقتل الفكرة.. وأقصد الشركات القابضة التى تدير هذه الأندية.

(2)

السوبر رأسمالية واحتكار كرة القدم

تعتبر الشركات القابضة التى تدير أندية القمة شركات عابرة للحدود، من حيث تنوع وتعدد جنسيتها من جهة، وتعدد الأندية التى تملكها إضافة للنادى الرئيسى من جهة أخرى. أخذا فى الاعتبار أن الأندية الإضافية قد تكون فى دول أخرى غير الدولة المركز. لذا لم يكن من المستغرب أن يكون الممول الرئيسى «للسوبر ليج» أحد البنوك الأمريكية العملاقة الشهيرة- مع ممولين آخرين- بمبلغ يقترب من الـ 10 مليارات دولار. وتعد الطريقة التى تعمل بها هذه الأندية نموذجا مصغرا «للرأسمالية السوبر»؛ فى مجال بعينه هو مجال كرة القدم: اللعبة الشعبية الأولى فى العالم.

و«السوبر رأسمالية»: بحسب كتاب الاقتصادى الأمريكى «روبرت رايخ» (وزير العمل فى إدارة كلينتون)؛ هى الرأسمالية الكونية الشرسة التى تقوم بتشغيل اقتصاد عابر للحدود والجنسيات، بحجم معاملات مالية سنوية «تريليونية»، دائم الزيادة (كان 2500 تريليون دولار نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وبلغ الـ10000 تريليون دولار مع منتصف العقد الثانى). وبالرغم من هذه الزيادة المطردة إلا أنه لوحظ أنه مع زيادة حجم الكعكة الاقتصادية تزداد حصة القلة المستحوذة والمحتكرة لهذه الكعكة بدلا من إعادة توزيعها. ومن هنا جاء تعبير «السوبر رأسمالية». فى هذا السياق، جاءت ثورة الجماهير ضد «السوبر رأسمالية الكروية» التى تريد أن تستأثر بكعكة كرة القدم من خلال «السوبر ليج».

(3)

السوبر جماهير: كرة القدم لنا

فى أقل من ثلاثة أيام وئدت فكرة «السوبر ليج» تحت ضغط ما يمكن أن نطلق عليه «السوبر جماهير»، التى رأت فيها احتكارا للعبة الشعبية الأولى فى العالم. فكرة القدم يملكها الناس وهم الذين من حقهم أن يقرروا مصير اللعبة. ومن ثم تظاهرت الجماهير أمام الكثير من بوابات الأندية الأوروبية. فلقد تأكدوا من أن تكلفة مشاهدة «السوبر ليج» سوف تتضاعف، وأنها ستكون لنخبة أو قلة. ودعم الموقف الجماهيرى المواقف الحكومية والقانونية الحمائية فى بعض الدول الأوروبية مثل إنجلترا وألمانيا.

ففى إنجلترا رأت الحكومة من خلال رئيس وزرائها أن الأندية المملوكة من قبل «البليونيرات» «billionaire club owners»؛ سوف «يخلعون» كرة القدم من بيئاتها الطبيعية عبر هذا المشروع المريب، الذى يدمر جماهيرية اللعبة، خصوصا مع وضع قواعد جديدة للبث التليفزيونى تعظم العوائد وتقلل المشاهدة لتكلفتها العالية. والاحتمالية الكبيرة فى أن تحظى هذه الأندية بفرص أكبر فى احتكار المواهب الكروية وحرمان باقى الأندية منها. وفى ألمانيا دعم القانون الذى يضمن ملكية 51% من الجمهور للأندية التى يشجعونها الموقف الرافض «للسوبر ليج». وهكذا تحت شعار «كرة القدم لنا» نجحت «السوبر جماهير» فى هزيمة «السوبر رأسمالية» لاحتكار كرة القدم عبر «السوبر ليج»، فى معركة لم تكن رياضية بل اقتصادية محض. نواصل.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *