تربع الشاي على عرش المشروبات الشعبية في مصر منذ عقود، وأصبح الاختيار الأول لضبط مزاج عشاقه، ورغم تفاوت الطبقات الاجتماعية على مر العصور إلا أنه ظل الخيار الأول بين ميسوري الحالي ومحدودي الدخل على حد سواء.
إذا قادتك الصدفة للتجوّل في إحدى القرى الريفية بمصر وألقيت السلام على أي من قاطنيها ستكون العبارة التي تلي رد التحية «اتفضل اشرب شاي» كتعبيرًا للضيافة والكرم لما يحوزه على أهمية بالغة بينهم، فيقول خليل «مزارع»: «تناول الوجبات لا يكتمل إلا بالشاي، ولا يسمح لشيئ أن يحل محله هكذا تعودنا فعند بدء تناول الطعام يتم تحضير شاي الزردة أو ما يطلقون عليه «البراد» ويكون غالبا زائد في معايير الشاي والسكر».
ويضيف «خليل»: «الشاي صديقا للفلاح في حقله ومعينا له على عمله الشاق ليعيد به نشاطه وهمته ويستأنف عمله ويطلق على هذا النوع «شاي الولعة» نظرا لكونه مطهو على الأخشاب وأغصان الأشجار فيصنع على لهب هادئ ويستغرق وقتا إلى حد ما طويل لإعداده ويكون ذا مذاق لذيذ ورائحة رائعة، كما يكون هدية قيمة تقدم كضيافة للزوار والأصدقاء الذين يحلون صيفا عليه».

الصنايعية والحرفيين: «منقدرش نستغنى عنه»
يقول أحمد عبود «صنايعي تركيب سيراميك»، إن الشاي لا يمكن الاستغناء عنه بين العمال والصنايعية، حيث يساعد على تحسين مزاجهم في العمل فهو إدمان بالنسبة لنا وإذا تأخر علينا يتعكر صفو أذهاننا ونشعر بالضيق فهو شيء مهم للغاية.

وأشار إلى أن هناك بعضا من الصنايعية يعينون «صبي» للشاي فقط، مهمته الاعتناء بالعمال وإعداد الشاي وإمدادهم بالماء، كلما طلبوا ذلك ويتقاضى على هذا العمل أجرا.

«عمدة المشاريب في القهاوي»
قال عادل عبد الرحيم، صاحب مقهي بشبرا: «الشاي هو عمدة المشاريب، ولا يستطيع أي مقهى الاستغناء عنه أيا كان مستواها، فبرغم كونه رخيص الثمن إلا أنه دائما على كل الطاولات فيطلبه كافة الشرائح الاجتماعية».
وأضاف «عادل» أن لكل زبون اعتباره الخاص لطلبه فمثلا أحد الأشخاص يكون في انتظار موعد ما فيأتي للمقهى فلم يجد مايطلبه فيطلب الشاي كذلك البعض يلجأ له لرخص ثمنه وكونه المحبب للكثيرين.

الشاي الأخير.. قصة قاتل مع آخر رشفة من الحياة
«عُيون ناعسة ومُثقلة وجسد واهن يبدو أن صاحبه لم يذق طعم النوم طيلة ليلة قضاها داخل زنزانته الانفرادي يُناجي ربه من طاقة نور صغيرة أن تمر هذه الساعات سريعًا؛ ليسلّم رأسه للجلاّد حسين عشماوي، أشهر منفّذ لحكم الإعدام في سجون مصر».
في شتاء 1985، دقّت «ساعة الأجل» داخل جنبات وأروقة سجن القناطر الذي وقف زغلول وهمان (اسم مستعار)، رجل في العقد الرابع من العمر، وسط زنزانته أمام فرقة الإعدام يسلّم يديه إلى عسكري يبدو من اتزانه وضبط حركاته أنه تعوّد على هذه اللّحظات، ليضع «كلابشاته» في يد الرجل الأربعيني الذي استسلم للأمر وتأكّد أن لحظة تنفيذ الحكم قد حانت بعد أن أخبرته إدارة السجن بلقاء أسرته التي جاءت من الصعيد لوداع ابنها قبل أن تقول المقصلة كلمتها في قضية قتل حُكم عليه فيها بالإعدام.
هناك وداخل سجن الاستئناف بباب الخلق، كان المصور الشاب حسام دياب (29 عامًا) وقتها، يضبط عدسات كاميرته (فيلم) لتوثيق هذه اللحظات لمجلة «سيدتي» إحدى إصدارات صحيفة الشرق الأوسط: «حالته يومها كانت لا تسر عدو ولا حبيب، فاكر إني استأذنته أصوّره كام لقطة، لم يتبق منها سوى صورتين فقط، بالرغم أن الجلسة وقتها استمرت قرابة ربع ساعة».
يتذكّر حسام دياب بعض تفاصيل هذا اليوم من 36 عامًا: «نجح زميلي حسين عبدالقادر، الصحفي بالشرق الأوسط وقتها في الحصول على التصاريح الأمنية اللازمة لتصوير لحظة ما قبل الإعدام التي كنت فيها مندهشًا برد القاتل على أحد الضباط عندما سأله عن طلبه الأخي: «عايز كوبّاية شاي.. سكر زيادة»، وكأنه يرغب في تغيير مرارة طعم هذا اليوم مع آخر رشفة من الحياة، لتنطق اللقطات بعدها لقاتل قبض بعروق يديه على كوب شاي ساخن غير عابئ بفلاشات الكاميرا التي راحت تصور آخر ما تبقى من أنفاس ورشفة أخيرة مرتفجة لأربعيني ينتظره ملك الموت على عتبات وحافة غرفة الإعدام».
«لا طبعًا ماكنش بيدخّن، شكله كان بيحافظ على صحته»، قالها حسام وهو يضحك، متذكرًا أطول 15 دقيقة: «أنا وحسين بصّينا لبعض لمّا القاتل طلب شاي وكمان سكر زيادة، وقلنا هوّ إنت في إيه ولاّ إيه.. حَبَكت يعني؟!، صحيح الصورة وقتها كان تأثيرها محدود غير دلوقت بحكم منصّات السوشيال ميديا، بس لو عاد بي الزمن هتكون دي أول وآخر صورة في المواقف اللي زي دي».
يتقاطع صوت الزمن مع فلاشات حسام وهو يحكي، ويؤكد ضرورة الالتزام بالميثاق الشرفي والأخلاقي لمهنته: «احنا دورنا مش نشهّر ولا جايين نجرّس، إحنا بتجيلنا لحظات ضعف إنسانية وبنقدّر عواقب الصورة وأن صاحبها عنده أهل وأقارب، فلازم نراعي كل ده في شغلنا.. الصورة حياة وحياء».

متى وأين عرف المصريون الشاي للمرة الأولى؟
لم يخطئ بونابرت حين قال: «ليس من الشرق الأسطورى أو المتحضر، من لا يضيع وقته في مقهى أو يضحى بقليل من عمره فى إعداد المشروب الساحر» فلدى المصريين بالفعل مشروب ربما يكون سحري لكونه يناسب جميع الأوقات.
فتشير العديد من المصادر إلى أنّ ذكر الشاي وُرد للمرة الأولى في القرن العاشر لدى الجغرافي الأزبكي الخوارزمي «البيروني» بالفارسية، حين قال «الصينيين كانوا يشربون شرابًا ذهبيًا يسمى شراب التشاي (جاي)».

لكن بالرغم من ذكره في القرن العاشر إلا أنّ الشاي لم يعرف في العالم إلا في القرن السابع عشر، حين وصلت أول شحنة إلى أوروبا في عام 1610، لتكون أول عهد الأوربيين بذلك المشروب.
أما عن العرب فقد عرفوا الشاي بعد ذلك بقرنين كاملين، وتحديدًا في القرن التاسع عشر، نفس الفترة التي عرفت فيها سوريا والأناضول وتركيا المشروب، بسبب إتاحة تراخيص استيراده لأول مرة من قبل الدولة العثمانية.
أما عن مصر، فقد دخل الشاي مع الضباط البريطانين في عام ١٨٨٢ وبدأ مشروبًا نخبويًا أو أرستقراطيًا للأغنياء والعائلات الملكية فقط، وكان يسمى وقتها بـ«الخروب»، ثم انتشر بعد ذلك بين عامة الناس بسبب حملات التسويق الإنجليزية.
وتحدث المؤرخ الدكتور محمد عفيفي لـ«الدستور»: «عرف العالم الشاي في القرن الخامس عشر، ولم يصل إلينا إلا في القرن التاسع عشر، وهو قرن الشاي بامتياز، قبل ذلك كانت المستعمرات الإنجليزية تعتمد الشاي كمشورب أول، أما المستعمرات الفرنسية فكانت تعتمد القهوة».
أما عن ردود أفعال العلماء في التعامل مع المشروب كمنبه وعلماء الدين وهو ما حدث بشكل مبالغ فيه عندما عرف العالم مشروب القهوة، فقال «عفيفي»: «القهوة ظلت محرمة لمدة قرن ونصف القرن ومن خلال تحليلها دينيًا كان دخول الشاي للعالم أسهل».

أسرار رفيق جلسات السمر والود عند المصريين

يرتبط المصريون مع مشروب الشاي بعلاقة فريدة تتسم بالتناغم النفسي، ففضلًا عن قيمته التاريخية والثقافية، فهو رفيق جميع الأوقات بعد تناول الطعام عند الحديث، عند الاستيقاظ مبكرًا، أو قبل النوم، فيقول الدكتور أحمد طاهر المتخصص في علم الإجتماع، إنّ هناك علاقة وطيدة بين الشعب المصري ومشروب الشاي خاصة «السادة» بجميع مذاقاته سواء تقيل أو خفيف أو مظبوط، أو المضاف إليه أي من الزيوت العطرية مثل النعناع أو القرنفل أو المرمرية، فهناك موروث شعبي من قديم الأزل على «اصطباحة» الشاي التي تكون أهم نصف ساعة في اليوم عندما يبدأ الشخص يومه.
ويوضح هذا الارتباط، بأنه عند عزومة أحد الأشخاص دائما ما تتردد عبارة «تعالى اشرب شاي» فهو مشروب مزاج المصريين واجتماعاتهم وأفراحهم، وجلسات السمر بينهم في ساعات الصفا، فدائما في ليالي الصيف وقت المغرب يقوم أفراد المنزل بتحضير أكواب شاي بالنعناع والاستماع للست أم كلثوم في البلكونات.
ويعتقد المصريون أيضًا أنه عند إصاباتهم بنزلات البرد وشربهم شاي معصورًا عليه ليمونة، فإن ذلك سيسرع شفائهم، أو يشربون الشاي عند شعورهم بصداع لذلك العلاقة بين ذلك المشروب والشعب المصري علاقة نفسية بحتة، مضيفًا: «لا أظن أن هناك أحد في العالم ينافس المصريون في حبهم للشاي».
لكن هذه العلاقة أيضًا لها أسباب صحية، فهذا المشروب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهضم بعد الأكلات الدسمة، هذا ما يوضحه الدكتور رامي صلاح الدين، أخصائي التغذية العلاجية، يتحدث لـ«الستور» عن قيمة الشاي الصحية، يقول: «هو ثاني أكثر المشروبات انتشارا بعد الماء في العالم، بسبب العديد من خصائصه مثل رائحته الذكية، وطعمه الذي يجذب الجميع إليه فضلا عن رخص سعره، وفوائده الكبيرة».

ويربط الشعب المصري بين تناولهم الشاي والقضاء على الشعور بالصداع، وفي ذلك يوضح أخصائي التغذية، أن هذا المشروب الناعم لا يعمل على كيميا المخ، لكن مادة الكافيين الموجودة فيه هي ما تعمل على ظبط ضغط الدم، كما أنه يعمل على تغذية المخ بالدم وتنشيط خلايا المخ، ويحمي خلايا الجسم من الضرر، من هنا له فائدة في حماية الجسم من السرطانات بسبب كونه من أكثر المشروبات احتواءًا على مضادات الأكسدة، ما يساعد الجسم على محاربة الشوارد الحرة الموجودة فيه التي تكون مسئولة عن الخلايا السرطانية وعن عسر الهضم وسرعة الامتصاص في الجسم.
ويرى «صلاح الدين» أن فكرة تناول الشاي بعد الانتهاء من الطعام صحية جدًا، فهو يساعد على الهضم بشكل كبير، ويساعد الجهاز الهضمي في القيام بوظيفته بطريقة أكثر كفاءة من خلال تحفيز إنتاج اللعاب، وعصارة المعدة لتحسين الهضم، واحتواءه على مضادات الأكسدة يجعله يعمل كمضادات للالتهابات القوية التي تحد من بعض المضاعفات الهضمية.
ويساعد الشاي على حماية القلب من الإصابة بالنوبات القلبية، وتنشيط البنكرياس بشكل كبير مما يساعد على الحماية من مرض السكري وحماية الأوعية الدموية من الانسداد والحماية من الإصابة بالسكتة الدماغية والحماية من الإصابة بالتهابات الجلد ويساعد في حماية الأسنان من الضرر الناتج عن تراكم البكتيريا الضارة في الفم ويعزز صحة العظام ويحميها من الإصابة بالهشاشة”.

اقتصاديات الشاي
سجلت الواردات المصرية من الشاي تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، وفقًا لبيانات حكومية، حيث بلغت قيمة واردات الشاي نحو 263 مليون و696 ألف جنيه في شهر أكتوبر الماضي مقابل 412 مليون و848 ألف جنيه في شهر أكتوبر عام 2019.
ورصدت البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن واردات الشاى جاءت ضمن الواردات المصرية من السلع الاستهلاكية غير المعمرة والتي بلغت قيمتها الإجمالية نحو مليار و17 مليون و68 ألف دولار فى أكتوبر الماضى، مقابل مليار و243 مليون و680 ألف دولار فى نفس الشهر عام 2019، بتراجع بلغت قيمته نحو 226 مليون و612 ألف دولار.

أضرار الشاي
مثله مثل كل شيء، الكثرة منه تسبب أضرارًا صحية، هذا ما أكده الدكتور رامي، موضحًا أن شرب الشاي بكثرة يؤدي إلى العديد من المشاكل، فهو يقلل من امتصاص الحديد لأنه غني بمركب التانين، الذي يرتبط مع عنصر الحديد الموجود في الأطعمة، مما يقلل من امتصاصه في الجهاز الهضمي وتتسبب زيادة استهلاك مادة الكافيين الموجودة في الشاي عن الحد الطبيعي الشعور بالتوتر، وقلة النوم لأن مادة الكافيين الموجودة في الشاي تقلل من إنتاج هرمون الميلاتونين الذي يساعد على النوم، فضلًا عن أنها تسبب خفقان القلب بشكل كبير وتزيد من ارتخاء العضلة الموجودة في الجزء السفلي من المريء بسبب زيادة استهلاك مادة الكافيين، وأيضا من أضراره الكبيرة جدًا أنه يرفع من إنتاج الأحماض في المعدة، وارتجاعها إلى المريء، وقد يحدث تهييج في أنسجة الجهاز الهضمي بسبب احتوائه على مادة العفص أو التانين مما يسبب غثيان وآلام في المعدة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *