لا اتفاق.. لا توافق.. وربما لا سد


بلا توافق أو اتفاق، انتهت جولة المفاوضات الأحدث، التى قد تكون الأخيرة، بشأن السد الإثيوبى، والتى استضافتها العاصمة الكونغولية كينشاسا، والتى اتضح خلالها، مجددًا، أن إثيوبيا تنتهج سياسة المماطلة والمراوغة، حتى يحل موعد الملء الثانى لخزان السد، لكى تضع دولتى المصب أمام الأمر الواقع.
كما اتضح، أيضًا، أن لديها نية مبيتة لإعادة تقسيم مياه النيل، تمهيدًا لبيعها لدولتى المصب، ما يعنى أنها وضعت إحدى قدميها على «الخط الأحمر»، الذى حذّر الرئيس عبدالفتاح السيسى من تداعيات تجاوزه على استقرار المنطقة بالكامل.
لا تريد مصر والسودان غير التوصل لاتفاق قانونى ملزم يُحقق مصالح الدول الثلاث ويقلل من أضرار هذا المشروع على الدولتين، اللتين أكدتا أن لديهما إرادة سياسية ورغبة جادة لتحقيق هذا الهدف. وكنا قد انتهينا، أمس، إلى أن الإصرار الإثيوبى على فرض سياسة الأمر الواقع، قد يدفعنا، آسفين، نحن والسودان، إلى استخدام لغة أخرى يعرف حكام إثيوبيا، قبل غيرهم، أنهم لا يجيدون التحدث بها، وفشلوا فى استخدامها على ثمانى جبهات، لا تزال مفتوحة.
خلال كل مراحل التفاوض المضنية، أكدت مصر رغبتها الصادقة فى التوصل إلى اتفاق يراعى مصالح الدول الثلاث، ويعزز من علاقات التكامل والتعاون بينها، ويعمق من أواصر الأخوة بين شعوبها، وطرحت حلولًا ومقترحات تضمن لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية. كما أثبتت، عمليًا أنها داعمة للتنمية فى القارة السمراء، وقامت بتسخير كل إمكانياتها وخبراتها لدفع عجلة العمل الإفريقى المشترك إلى الأمام، ولم تدخر جهدًا فى تحقيق مردود إيجابى ملموس من واقع الاحتياجات الفعلية للدول والشعوب الإفريقية. وخلال رئاستها للاتحاد الإفريقى، قطعت دول القارة، خطوات مهمة على طريق تحقيق التنمية المستدامة وإيجاد أفضل مناخ لجذب الاستثمارات، أبرزها توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية.
دون مبررات، أبدت إثيوبيا تعنتا واضحًا فى مفاوضات كينشاسا، ورفضت المقترح، الذى قدمه السودان وأيدته مصر بتشكيل رباعية دولية تقودها الكونغو الديمقراطية، بصفتها رئيس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقى، كما رفضت كل المقترحات والبدائل، التى قدمتها مصر وأيدها السودان، من أجل تطوير العملية التفاوضية لتمكين الدول والأطراف المشاركة فى المفاوضات، كمراقبين، من المشاركة فى طرح حلول للقضايا التقنية والقانونية الخلافية. ورفضت، كذلك، مقترحًا مصريًا خلال الجلسة الختامية للاجتماع الوزارى، باستئناف المفاوضات بقيادة الرئيس الكونغولى وبمشاركة المراقبين وفق الآلية التفاوضية القائمة.
المرونة المصرية السودانية، أكدت رغبة البلدين الجادة فى التوصل إلى اتفاق، إلا أن إثيوبيا أصرت على مواصلة الاستفزازات، ورفضت التعهد بعدم اتخاذ أى أعمال خاصة ببدء الملء الثانى، أو أى خطوات قد تضر الدولتين لحين توقيع اتفاق قانونى ملزم بمشاركة وضمانات دولية. وبطرحها بند تقاسم المياه، على طاولة المفاوضات، أكدت أن الهدف من بناء السد لم يكن مرتبطًا بتوليد الكهرباء، كما كانت تشيع، وأثبتت أن تصريحات المتحدث باسم خارجيتها، لقناة «الجزيرة» القطرية، عن اعتزامها بيع مياه النيل لم تكن زلة لسان. وهنا قد تكون الإشارة مهمة إلى أن رئيس الوفد الإثيوبى، فى مؤتمر النيل الذى انعقد فى عنتيبى سنة ١٩٩٥، قال إن بلاده يحق لها أن تبيع ماءها كما يبيع الآخرون بترولهم!
وكالة الأنباء الرسمية السودانية، «سونا»، عن مريم الصادق المهدى، وزيرة الخارجية، قالت إن أديس أبابا لا تضع حسابًا للتحذيرات السودانية الواضحة من خطورة الملء الأحادى لسد النهضة، ومخاطره على السودان، ودعت لتجنب «صراعات بغير طائل». وأوضحت أن الملء الأول لخزان السد، الذى تم دون اتفاق ودون تبادل البيانات فى الوقت المناسب، أدى إلى أسبوع من العطش فى السودان، وأثر على الرى واحتياجات الثروة الحيوانية والمنازل والصناعة. وعليه، حذرت الوزيرة السودانية من المضى قدمًا فى الملء الثانى، واتهمت إثيوبيا باتخاذ «مواقف شعبوية، لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى، وتجاهل المرجع الأساسى للبلدان الثلاثة، وهو إعلان المبادئ الموقع فى عام ٢٠١٥، والمبادئ الأساسية للقانون الدولى».
لا شىء غير الجنون، يبرر عدوانية إثيوبيا ورفضها التوصل إلى اتفاق شامل وتعاونى يحقق المنفعة المتبادلة. ولا شىء غير انعدام المسئولية يبرر انتهاكها إعلان المبادئ، الذى نص على أن تلتزم الدول الثلاث بمبدأ عدم الضرر، ونصت مادته العاشرة على إمكانية طلب الوساطة الدولية حال عدم نجاح الأطراف الثلاثة فى حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات.
.. ولا يبقى غير الإشارة إلى أن القوى الدولية، التى قامت بتحضير العفريت، تستطيع صرفه وترويضه. وحال عدم حدوث ذلك، ودون التوصل اتفاق نهائى، عادل، متوازن وموضوعى، يكون الواجب، أقل واجب، هو إعادة العفريت، قهرًا، إلى قمقمه، حتى لو أصبح السد نفسه أثرًا بعد عين، أى مجرد ذكرى مؤلمة.