أرفض الابتذال فى الفن لكن اتركوا الجمهور يحكم ويقرر بنفسه دون منع



الدولة لم تفرض علينا شيئًا فى موسيقى حفل المومياوات وسأضع قيادتى للحدث فى مقدمة الـCV الخاص بى

التحضيرات استغرقت 7 أشهر.. ولجأنا إلى متخصصين فى علم المصريات لصناعة أنشودة «مهابة إيزيس»

مثل ساحر فى الحكايات الأسطورية، صعد المايسترو نادر عباسى إلى مسرح متحف الحضارة بالفسطاط.. لم تتحرك شفتاه، فقط تحدثت عيناه إلى العازفين الجالسين أمامه كأنهم طيور خرافية فى عالم الخيال، وبعدها بدأ رحلة اختطاف المتابعين من جميع أنحاء الأرض، لمدة ٤٠ دقيقة، ونقلهم إلى دنيا من الجمال والسحر، عشناها معه خلال أوركسترا حفل نقل المومياوات الملكية إلى مستقرها الأخير. جُملة من الابتكارات الموسيقية قدمها العالمى نادر عباسى، خلال الحفل المهيب، منها، على سبيل المثال لا الحصر، أغنية باللغة المصرية القديمة قدمت لأول مرة، وتكنيكات فى العزف لم تُطرح من قبل، للدرجة التى جعلته يعتبر هذا الحفل من أنجح وأفضل الفعاليات الموسيقية الرسمية فى تاريخ العالم.
«الدستور» حاورت «عباسى» ليكشف عن كواليس اختياره لقيادة هذا الأوركسترا، وكيف استطاع مواجهة صعوبات وتحديات التنسيق بين فرق العزف والاستعراض والإخراج، وترتيب وقت كل ذلك بالثانية، حتى يخرج الحدث العالمى دون أى أخطاء، كما تحدث عن سر الأغنية التى أبهرت العالم «مهابة إيزيس»، وكيف طوعها لتخرج بهذه الصورة العظيمة، وغيرها من التفاصيل المبهرة.

■ ماذا عن كواليس اختيارك لقيادة أوركسترا الاحتفالية؟
– تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الموسيقار هشام نزيه، فى مارس ٢٠٢٠، ووقتها كنت فى منزلى بالساحل الشمالى، بسبب ذروة فيروس كورونا، التى ترتب عليها إلغاء برنامج جميع الحفلات الخاصة بى فى دول العالم، وطلب منى أن أقود ذلك المشروع العظيم الذى ألف موسيقاه، وعلى الرغم من ثقتى وإيمانى باختياراته، رفضت وقتها وقلت له: «ماحدش هيسيبنا نعمل اللى على مزاجنا»، وكان فى مخيلتى أن بعض الجهات ستضع لنا خطة رسمية لتنسيق الاحتفالية كما يحدث فى الغالب، ووعدنى «هشام» بعكس ذلك، وقررنا المغامرة معًا، خاصة أن لديه دراية كبيرة بتطلعاتى فى العمل واهتمامنا بالمزج بين الثقافات والألوان الموسيقية المختلفة، وحينها تواصلت مع مسئولى الشركة المنظمة، وعقدنا جلسات عمل مكثفة وبدأنا التجهيزات ووضعنا الخطوط العريضة للاحتفالية لخروجها بنمط مختلف تمامًا عما نراه فى الاحتفالات الرسمية السابقة، وبالشكل الذى يليق بحجم مصر وفنها وثقافتها وشعبها وحضارتها العظيمة.
■ ما الخطوط العريضة، والمدة التى استغرقتموها فى التحضيرات؟
– بذلت مجهودًا كبيرًا فى التحضيرات التى أخذت منا نحو ٧ أشهر، وتحديدًا بدأت فى سبتمبر الماضى، بوضع خطة محكمة وقررت المشاركة بأوركسترا الاتحاد الفيلهارمونى الذى كونته بنفسى منذ عدة سنوات، ووضعنا تصورًا كاملًا للموكب بداية من نقطة التحرك الرئيسية من ميدان التحرير، وتم حساب كل خطوة بالثانية، ووصلنا فى نهاية الأمر إلى ٤٠ دقيقة، هى زمن وصول المومياوات إلى مقرها الجديد فى متحف الحضارة بمنطقة الفسطاط، وهو ما تطلب قدرًا كبيرًا من الدقة والانضباط لخروج ملحمة فنية استعراضية موسيقية غنائية غير مسبوقة فى التاريخ.
■ هل واجهتك صعوبات وتحديات خلال البروفات؟
– واجهنا تحديات كثيرة، لكن حماسة كل فرد مشارك أسهمت بشكل مباشر فى خروج الاحتفالية دون أخطاء، والصعوبات بالنسبة لى كانت تتمثل فى أدق التفاصيل، خاصة أنه لأول مرة يتم تنفيذ أوركسترا «لايف» مع موكب متحرك على الهواء مباشرة، ولا مجال هنا للخطأ تمامًا، وبذلت مجهودًا خلال التنسيق لمتابعة العمل من خلال كاميرات ذات تقنية وإمكانات عالية وفرتها الشركة المنظمة فى أكثر من مكان فى نفس الوقت، لأن موقعى أنا والأوركسترا كان بمتحف الحضارة، أما باقى المشاركين فهم فى حالة حركة وكنت أتابعهم بالثانية الواحدة عبر الشاشات، مع قيادة الأوركسترا. فالموسيقى تسير مع الموكب دون توقف، خاصة أن الأحداث لا تدور فى التحرير فقط، بل إن هناك مظاهر أخرى للاحتفالية تحت سفح الأهرامات وأخرى فى معبد حتشبسوت بالأقصر.
وواجهت خلال البروفات، مشقة للتنسيق بين بروفات الأوركسترا، الذى يضم ١٠٠ عازف و٩٠ مغنى كورال، وربطها بالبروفات الخاصة بعازفى الموسيقات العسكرية التى تضم ١٥٠ عازف إيقاع، و١٥٠ على آلة نفخ، إلى جانب التدريبات الخاصة بـ٨٠٠ طالب من كلية التربية الرياضية الناشئين وفوجئت بتحملهم المسئولية على أكمل وجه، إضافة إلى قائدى العجلات الفرعونية وما يقرب من ٢٠٠ حصان، والصعوبة تمثلت فى الربط بينهم خاصة أننا قمنا ببروفتين كاملتين فقط للحدث، نظرًا لصعوبة إغلاق الشوارع لوقت طويل، باعتبار أن الاحتفالية كانت فى الميادين الرئيسية، والجهات مشكورة أغلقت لنا الطرق على مدار يومين قبل الحفل من الساعة الواحدة صباحًا حتى الرابعة فجرًا، حتى لا نتسبب فى تعطيل المرور ومصالح وأشغال الشعب.
■ كيف اخترت أنشودة «مهابة إيزيس»؟
– وضعت فى اعتبارى أن أقدم عملًا مميزًا بكل المقاييس، واتفقت مع الموسيقار هشام نزيه على وضع موسيقى فريدة من نوعها مستوحاة من العالم المصرى الفرعونى القديم ممزوجة بالمعاصر، تعبر عن حكاية شعب مصر العظيم، بتسلسل العصور، وتم اختيار «مهابة إيزيس» من وسط أنشودات كثيرة لتميزها، ودمجها ببعض الأشعار المكتوبة على المعابد، ولجأنا إلى متخصصين فى علم المصريات حتى نتعرف على النطق الصحيح للغة الهيروغليفية القديمة، وتم ربطها بالآلات المستخدمة، التى ظهرت بالجدارية الشهيرة، وهى آلات الهارب والناى والعود، فكان يجب أن نستغل عظمة تاريخنا المصرى فى هذا الحدث، خاصة أن هناك أوبرا كاملة اسمها «أخناتون» تم تأليفها باللغة المصرية القديمة فى الولايات المتحدة، فى المقابل كانت ثقتى كبيرة فى السوبرانو أميرة سليم، التى تمتلك موهبة وأدوات تميزها فى منطقتها حول العالم، لذا ظلت المقطوعة الخالدة فى وجدان المصريين يرددونها بوجدانهم.
■ ما السر وراء اختيار العنصر النسائى فى برنامجك لتصدر المشهد؟
– المرأة المصرية تستحق أكثر من ذلك، و«تستاهل» أن تتصدر المشهد أمام العالم، لإثبات أن الدولة المصرية ليست للرجال فقط، كما يعتقد البعض الجاهل الإرهابى الذى كان يريد أن يلغى فكر وحقوق المرأة المصرية التى أؤمن بموهبتها فى كل المجالات، وتعمدت اختيار ٣ أصوات مصرية أصيلة، وهن: الفنانة ريهام عبدالحكيم وتقديمها الجزء الشرقى بقصيدة «مصر لم تنم»، وأميرة سليم الأوبرالية العالمية، والفنانة نسمة محجوب التى قدمت «حكاية شعب» لصوتها الشامخ الذى يتميز بطبقاته العالية، والحمد لله كانت كل منهن بطلة فى منطقتها، إضافة إلى تصدر العازفات المشهد، ومنهن عازفة الكمان السوليست سلمى سرور من أهم عازفى الكمان «Violin» على مستوى العالم، وعازفة التيمبانى رضوى البحيرى من أهم وأقوى عازفات الإيقاع وتحديدًا التيمبانى فى الأوركسترات.
■ هل توقعت هذا الصدى المهيب وردود الأفعال؟
– إطلاقًا.. أنا بطبيعتى أهتم بأصغر وأدق التفاصيل، ودائمًا أقود حفلات عالمية يكون لها مردود إيجابى كبير، لكن بهذا الشكل المهيب، لم يحدث من قبل. فالحدث يعد الأضخم فى تاريخ الاحتفالات المصرية والعالمية، وبصراحة ردود الأفعال أبهرتنى فى العالم كله، و«اتخضيت» بعد الحفل عندما وجدت أكثر من ٣٠٠ رسالة على هاتفى، وتصدرنا بالمشهد «تريند» عالميًا، والأهم من ذلك أننى فوجئت بتعليقات أظهرت انبهار جميع فئات وطبقات الشعب بنوع موسيقى مختلف تمامًا عن «اللى بيسمعوه» ولفت انتباه البسطاء فى شوارع مصر، خاصة عندما تحدث معى أحد السائقين بعد الحفل، وقال لى «أنا سمعت أنشودة الموتى ١٥ مرة».. و«السوبرانو أميرة سليم صوتها رهيب» و«أداء الأوركسترا حلو جدًا يا مايسترو»، وقتها فرحت جدًا «ماكنتش مصدق أن مصطلح السوبرانو والأوركسترا يصل للبسطاء بهذه الصورة»، على الرغم من أننى مؤمن جدًا أن الموسيقى تحرك الوجدان وقلت بينى وبين نفسى «الحمد لله مصر ستظل رائدة الفنون الجادة».
■ قدت العديد من الحفلات العالمية.. أين ستضع حفل نقل المومياوات الملكية فى الـc.v الخاص بك؟
– فى المقدمة، وأشعر بالفخر والاعتزاز منذ تحملى مسئولية ذلك الحدث الأسطورى العظيم، الذى أبهر العالم كله بأبناء مصر، ومن هنا أناشد الجميع الحفاظ على التراث الفنى والثقافى المصرى العريق والارتقاء به، وأعتبر تكريمى من مؤسسة «الدستور» بمثابة تتويج ووسام على صدرى لحفل موكب المومياوات الأهم فى مسيرتى الفنية العالمية.
■ ماذا عن رحلة وصولك للعالمية وقيادتك أهم الأوركسترات فى أوروبا؟
– لم يكن الأمر سهلًا، وكان أمامى هدف يتمثل فى العمل على نفسى فى جميع المجالات، حتى أكون مميزًا فى مجالى، وأمثل مصر فى بلدان العالم، فقد تتلمذت على يد الموسيقار جمال عبدالرحيم، رائد الموسيقى الكلاسيكية، وكنت أستمتع كثيرًا عندما أتذوق موسيقاه المستوحاة من الفلكلور الشعبى المقدمة فى قالب أوركسترالى، وعملت بجميع نصائحه، كما عملت فى أوروبا فى مجالات العزف والغناء والقيادة، وعملت مع أشهر عازفين ومغنين فى أوروبا فى مجال الأوبرا والموسيقى العالمية، وكل ذلك منحنى خبرات كثيرة، حيث كنت العربى الوحيد كعازف «فاجوت أول» لأوركسترا جنيف للحجرة، ووقتها كان عمرى ٢٣ عامًا، وعازف «فاجوت أول» للمجموعة الصوتية والأوركسترالية لوزان «سويسرا» ميشيل كوربو، وبعدها تم اختيارى لقيادة أوركسترا بتهوفن، ووقتها لاحظت نظرة الاستغراب فى عيونهم، ولكن بمجرد بداية العرض تحولت تلك النظرة إلى إبهار واحترام، ومن ثم تم اختيارى فى فرنسا لقيادة أوبرا «كارمن» وهى فى الأساس للمؤلف الفرنسى جورج بيزيه، وقدت أوركسترا السلام فى باريس وغيرها.
■ ما المعايير التى وضعتها أمامك لتأسيس أوركسترا «الاتحاد الفيلهارمونى»؟
– فى ٢٠١٦ قررت تأسيس أوركسترا الاتحاد الفيلهارمونى، وأطلقت عليه هذا الاسم، خاصة أنه يعد الأوركسترا العربى الأول من نوعه الذى يضم أمهر العازفين الموسيقيين فى مجال الموسيقى الشرقية الممزوجة مع الموسيقى الكلاسيكية أو الغربية، كى يتناسب مع مراحل زمنيّة مختلفة من التحولات الثقافية المعاصرة، ويمزج بين الموسيقى العربية والكلاسيكية القديمة الممزوجة بالمعاصرة، ووقتها كنت واثقًا أنه سيعمل على رفع وعى المواطن العربى، بأهمية الموسيقى وستجعله أكثر تذوقًا لها. فالموسيقى ليست ترفيهًا كما يراها البعض، وإنما هى أحد محاور التربية الأساسية.
■ كيف يتم تحقيق المعادلة الصعبة بين الحفاظ على التراث ومواكبة العصر؟
– عن طريق الرعاة والمدارس وحصص الموسيقى ودور الأوبرا، بالمختصر «مؤسسات الدولة»، هى التى تجعل الطفل منذ الصغر يتذوق الفنون الجادة، فيجب تغيير وتطوير الطريقة التى يتعامل بها المسئولون عن الموسيقى فى مصر، فقد يعانى الموسيقيون فى مصر من الإهمال سواء من جانب الأماكن أو الآلات التى يعزفون عليها، وعدم منحهم حقوقهم الكاملة وعدم تسليط الإعلام الضوء عليهم، مثل لاعبى كرة القدم مثلًا، على الرغم من أهميتهم الكبيرة.
■ ما تقييمك للأغانى التى تقدم خلال الفترة الحالية؟
– أنا ضد الابتذال فى الفن، ولكننى رغم ذلك لا أريد أن تمنع السلطات أى شىء.على الدولة التطوير بشكل عصرى ممهنج ومدروس، ومن هنا اتركوا الجمهور يحكم ويقرر مصير موسيقاه بنفسه، فالموسيقى ترتقى بالمشاعر وتهذب النفوس ودورها فى الفترة المقبلة أراه الأهم، وبالمناسبة تذكرت الآن أحد أهم المواقف المؤثرة فى مسيرتى عندما قررت عزف الموسيقى الكلاسيكية للمسجونين فى فرنسا، واصطحبت أوركسترا مارسيليا، لقيادة حفلة أقمناها فى السجن، ولاحظت فيها تجاوبًا غير مسبوق، وبعد مرور عامين أوقفنى رجل فى الشارع وأخبرنى أنه بعد خروجه من السجن بدأ زيارة الأوبرا، وجعل أولاده يتعلمون الموسيقى، وقتها شعرت بسعادة غامرة، وتأكدت أن الموسيقى قادرة على التغيير النفسى والواقعى فى حياة الإنسان.